أبو الليث السمرقندي

226

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا يعني : قالوا ربنا اللّه ، فعرفوه ، واستقاموا على المعرفة . وقال القتبي : يعني : آمنوا ، ثم استقاموا على طاعة اللّه . وقال ابن عباس في رواية الكلبي : ثُمَّ اسْتَقامُوا على ما افترض اللّه عليهم . وروي عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه قرأ هذه الآية ، ثم قال : أتدرون ما استقاموا عليه ؟ فقالوا : ما هو يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ قال : « استقاموا ، ولم يشركوا » . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : ثُمَّ اسْتَقامُوا ولم يروغوا روغان الثعلب على طاعة اللّه . فقال ابن عباس في رواية القتبي : ثُمَّ اسْتَقامُوا . وعن أبي العالية أنه قال : ثُمَّ اسْتَقامُوا أي : أخلصوا له الدين ، والعمل . ويقال : وحّدوا اللّه تعالى ، واستقاموا على طاعته ، ولزموا سنة نبيه . وقال بعض المتأخرين : معناه : ثم استقاموا أفعالا ، كما استقاموا أقوالا . وقد قيل أيضا : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا يعني : يقولون اللّه مانعنا ، ومعطينا ، وضارنا ، ونافعنا ، ثُمَّ اسْتَقامُوا على ذلك القول ، ولا يرون النفع ، ولا يرجون من أحد دون اللّه تعالى ، ولا يخافون أحدا دون اللّه ، فذكر أعمالهم ، ثم ذكر ثوابهم . فقال : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ قال الكلبي يعني : تتنزل عليهم الملائكة عند قبض أرواحهم ، ويبشرونهم ، ويقولون : أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا يعني : لا تخافوا ما أمامكم من العذاب . ولا تحزنوا على ما خلفكم من الدنيا . وقال مقاتل : تتنزل عليهم الملائكة يعني : تتنزل عليهم الحفظة من السماء ، يوم القيامة ، فتقول له : أتعرفني ؟ فيقول : لا . فيقول : أنا الذي كنت أكتب عملك ، وبشره بالجنة ، فذلك قوله : وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدنيا . وقال زيد بن أسلم البشرى : في ثلاث مواطن ، عند الموت ، وفي القبر ، وفي البعث . وقال بعض المتأخرين : هذه البشرى للخائف الحزين ، لا للآمن المستبشر . يعني : الذي كان خائفا في الدنيا . ثم قال عز وجل : نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني : تقول لهم الحفظة ، نحن كنا أولياؤكم في الحياة الدنيا ، ونحن أولياؤكم ، وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ يعني : لكم في الجنة ما تحب ، وتتمنى قلوبكم ، وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ يعني : تسألون . ثم قال : نُزُلًا أي : رزقا مِنْ غَفُورٍ للذنوب العظام ، رَحِيمٍ بالمؤمنين . حكى الزجاج عن الأخفش : نُزُلًا منصوبا من وجهين ، أحدهما على المصدر ، فمعناه : أنزلناه نزلا . ويجوز أن يكون على الحال . قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً قال بعضهم : الآية نزلت في شأن المؤذنين ، يدعون الناس إلى الصلاة . وَعَمِلَ صالِحاً يعني : صلى بين الأذان ، والإقامة . ويقال : الأنبياء يدعون الخلق إلى توحيد اللّه تعالى عَمِلَ صالِحاً يعني :